الشيخ محمد رشيد رضا

124

الوحي المحمدي

وفي آخر سورة الحشر : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 23 ) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الحشر : 22 - 24 ] . فهذه الأسماء الإلهية هي ينابيع الحياة الروحية في القلوب ، ومشرق أنوار المعارف الإلهية على العقول ؛ ومنها استمدّ الأولياء العارفون والأئمة الربانيون تلك الحكم السامية ، والكتب العالية في معرفته تعالى وأسرار خلقه ، والأدعية والقصائد في حبّه ومناجاته . بعد أن تربوا بكثرة ذكره وتلاوة كتابه . وهذا هو الغرض الأوّل من أمر القرآن المؤمنين بذكر اللّه قياما وقعودا وعلى جنوبهم ليكون اللّه تعالى غالبا على أمرهم ، كما قال في وصف يوسف عليه السلام : وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ [ يوسف : 21 ] ، فيمقتون الباطل والشر ، ويكون كل حظّهم من الحياة الحق والخير ، لما يثمره الذكر لهم من صلاة اللّه عليهم وملائكته ليخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ( 41 ) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 42 ) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [ الأحزاب : 41 - 43 ] . بهذا التكرار الذي جعله أسلوب القرآن المعجز مقبولا غير مملول ، طهّر اللّه عقول العرب وقلوبهم من رجس الشرك وخرافات الوثنية ، وزكّاها بالأخلاق العالية والفضائل السامية . وكذا غير العرب ممن آمن باللّه وأتقن لغة كتابه ، وصار يرتله في عبادته ويتدبر آياته ، حتى إذا دب في الشعوب الإسلامية دبيب الجهل بلغة القرآن ، وقل تدبره الذي فرضه اللّه عليهم ، واعتمد المسلمون في فهم عقيدتهم على الكتب الكلامية المصنفة ، وفي أعمال عباداتهم على كتب الفقه الجافة ، وفي تزكية أنفسهم على الأوراد البشرية المؤلفة ، ضعف التوحيد في قلوب الكثيرين ، وشابته شوائب الشرك الأصغر ثم الأكبر ، واتبعوا سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع « 1 » اعتقادا وعملا ، وتأولا وجدلا . فصار أدعياء العلم يتأولون تلك الآيات الكثيرة في التوحيد بشبهاتهم وأهوائهم وتقاليدهم المبتدعة . وهجروا القرآن هجرا غير جميل ، وعاقبهم اللّه بما أوعدهم كما هو مشاهد ومعلوم .

--> ( 1 ) أي مصدقا لقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه » . قالوا : يا رسول اللّه اليهود والنصارى ؟ قال : « فمن ؟ » . رواه البخاري ومسلم وغيرهما .